More servicesWindows Live
HomeHotmailSpacesOneCare
 
MSN
Sign in
 
 
Spaces home  AwaadzPhotosProfileFriendsBlog Tools Explore the Spaces community

Blog

August 19

لحــم رخيـص

لحــم رخيـص
 

لم يكن عم سيد مثقفا أو صاحب رأى.. كان مجرد بائع سندويتشات كفتة وكبدة تسحبنى قدمى اليه فى أيام الأزمات المادية بحثا عن سندويتش كبير الحجم رخيص الثمن
*******
عم سيد تركيبة خاصة من البشر, بالرغم من أن مستواه التعليمى لا يزيد عن المستوى التعليمى لطالب فى المرحلة الابتدائية, إلا أنه كان سريع البديهة واسع الحيلة, لا يستعصى عليه أمر إطلاقا, وكان متابعا لمعظم القضايا التى تثير الرأى العام, من خلال برنامج القاهرة اليوم الذى يسمعه عم سيد يوميا بحكم قربه من القهوة الصغيرة بجوار دكانه.. والتى تستعمل وصلة دش ليتابع روادها قناة الاوربت وبالأخص القاهرة اليوم
ومن حيله الشهيرة التى يعرفها مريديه, كان عم سيد على العكس من كل باعة الطعام فى العالم يشتم بضاعته دائما, ويتهما بالتلف, ويضرب كفا على كف عن كيفية بقاءنا على قيد الحياة بينما نستمر فى أكل ما يقدمه لنا, وهو فى هذه الادعاءات يحافظ فى كل مره على الحد الفاصل بين الهزل والجد فى حديثه, فكنا نفهم انه يداعبنا, وكنا نحن الاخرين نداعبه, كأن اقول له فى أحد المرات: انت مباحث التموين ساكته عليك ازاى كل ده يا عم سيد؟.. او أن أساله: اتقبض عليك كام مرة عشان بتبيع اكل بايظ ياعم سيد؟
وفى كل مرة كان ياتينى رده اكثر إفحاما واثارة لضحك كل الموجودين, وكنا نستلذ بافيهاته المضحكة عن سوء اكله اكثر من استمتاعنا بتناول الطعام ذاته
*******
الا ان الموقف الاخير الذى حدث بيننا, جعلنى اغير اعتباري لعم سيد كائنا متفائلا قادرا على اثارة الضحك فى نفوس كل من حوله
كنت كعادتي آكل احد شطائر الكفتة التى اختلط فيها الدهن بالبصل بالتوابل, مما دفعنى لأن أداعب عم سيد سائلا اياه: يعنى ياعم سيد سندوتش بالحجم ده وبجنيه ونص؟.. متهيألى لو كنت بتعملنا لحم كلاب كان هيبقى اغلى من كده؟
توقف لاعبي النرد على المنضدة المجاورة لنا عن اللعب حتى يسمعوا رد عم سيد والذى سيأتي كعادته محملا بقنبلة قويه من الضحك والسخرية.. الا ان رد عم سيد جاء غريباً عندما خرج من بين شفتيه لترسم الوجوم على وجوه جميع المستمعين
:
لا يا بيه.. لحم الكلاب غِلي اليومين دول.. اللي بتاكله ده أرخص لحمة فى مصر.. لحمة إخواننا اللي غرقوا فى عبارة السلام
*******

- محمـد حمـدي -
 
منقول من مجموعة د/طارق فاروق البريدية المتميزة
August 03

هل أنت مظلوم؟

 
هل أنت مظلوم ؟
 
كثيرا إن لم يكن دائما ما نسمع من حولنا و هم يشتكون بأنهم مظلومون, و نحن أيضا كثيرا ما نشعر بأننا ظُلِمنا ... و أننا لم نحصل على ما نستحق , لكن هل فعلا نحن كذلك؟
من وجهة نظري الشخصية هناك نوعان من المظاليم: النوع الأول فعلا مظلوم من الآخرين و هو من هُضم حقه بشكل متعمد ولم يأخذ قدره, و هناك نوع آخر هو من ظلم نفسه بنفسه, و هذا أيضا ينقسم لنوعان
الأول ظلم نفسه بالأنانية و الكره و الطمع و الغش و الخداع , فهذا مظلوم , هو تعود على الأخذ دون العطاء, فإن حُرم مما كان يأخذه شعر بظلم شديد , و أن المجتمع يضطهده , و أن كل من حوله خانوه و غدروا به لأنهم قرروا أن يضعوا حدا لأنانيته و طمعه و جشعه, هو يريد أن يأخذ فقط , و كلما أخذ كلما زادت رغبته و طمعه و جشعه,
 أعرف شخصا من هذه العينة , يأخذ دون أن يفكر في بذل أقل القليل مقابل ما يأخذه, و بمجرد أن يمنع عنه ما يأخذه تراه يبكي و يولول و يصيح , ظلموني , قهروني , جاروا علي و خانوني , حسبي الله فيهم جميعا
:)
 
و هناك صنف آخر ظلم نفسه بأن بخس حق نفسه و قلل منها, تعود على عكس صديقنا السابق, يعطي بدون أن يأخذ, و بالتالي يصبح هدفا للمستغلين و الطماعين , و بالتالي فهو ظلم نفسه و لا يمكن أن نلوم أحدا غيره, فهو من أتاح الفرصة للغير أن يستغلوه و يمتصوا كل ما لديه
 
كل من الحالتين السابقتين تشتكي الظلم, لكن أيا منها لا يستحق سوا الشفقة, فالأخذ و العطاء لابد أن يكونا متوازنين, فلا أسمح لغني أن يأخذ حقي و مالي ثم أشتكي من الظلم , ولا أسرق أموال الآخرين و أعمارهم و مشاعرهم و عندما يمتنعوا أشتكي الظلم, لقد منعوني ما آخذ
 
إسأل نفسك إن كنت تشعر بالظلم, أي من الثلاثة حالات تعبر عنك
هل أنت فعلا مظلوم ؟ أم أنك أنت من ظلم نفسه, إن كنت أنت الفاعل , فهل لأنك تأخذ دون مقابل ؟ لأنك تعودت أن تعيش على حساب الآخرين ؟ أم لأنك جعلت نفسك هدفا سهلا لكل طامع ؟
لكن مهلا
كن عادلا مع نفسك
 
لأن الغالبية ستقول: نعم أنا من ظلمت نفسي لأني أعطيت و لم آخذ
أو أنا ظُلمت فعلا و لم أقدر حق قدري
:)
كلا يا صديقي
لا تحسب الأمور هكذا
بل أنظر لعلاقاتك بالآخرين
و راجع تصرفاتك
راجع مدى عطائك و ماذا قدمت لغيرك
راجع ما قدم الآخرين لك
فإن تعادلت كفتي الميزان فحسبك الله
أما إن طغت إحداهما فلا تبخل على نفسك بأن تنصفها كما ظلمتها, فإن كنت تعطي فلا تمنع لكن تعلم أن تأخذ كما تعطي و أن تعطي من يستحق ,فليس الكل يستحق , و العكس بالعكس, إن كنت تأخذ فتعلم أن تعطي لكن لا تنسى نصيبك بدون طمع
July 28

أتدرك ؟

 
أتدرك كم أحبك ؟
أتدرك كم أشتاق لك؟
ياترى هل لو كنت موجود, كنت ستشتاق لي كما أشتاق لك؟
يا ترى لو كنت موجود الآن, ماذا سيكون رأيك في ؟
يا ترى هل كنت ستفخر بي؟
سؤال يؤرقني دائما و أبدا
أنني لم أبدا و لن أعرف رأيك في
هل كنت ستحبني كما كنت دائما تفعل ؟
هل كنت ستفخر بي؟
هل كنت ستدعمني و تعينني و تقف بجواري و تسندني؟
رغم مرور أحدى عشر سنة لكنني أذكرك كل يوم
و كل ليلة
 
 
سمعت عنك الكثير و الكثير
سمعت مديحا يكاد أن يجعلك ملك
و سمعت هجاء يكاد يجعلك عدوا
لكن بين هذا و هذا
لم تتأثر أو تتشكل قناعاتي
إلا بالصورة التي رسمها خيالي
حتى و إن كانت غير حقيقية
 
 
أنا لا أستطيع أن أنكر غيرتي الشديدة من أصدقائي
لأنهم لم يفقدوا مافقدت
ماهي بحسد هذا أكيد
لكن غيرة و حسرة
غصة ألم أن أجدهم ينعمون بما حُرمت منه
فليبارك لهم الله و يحفظ عليهم نعمه من الزوال
 
 
سامحني, فأنت أيضا لم تسمعها مني
وودت دائما أن أقولها لك
و أشعر بحسرة و ألم أنك أكيد كنت تتمنى سماعها
ربما قلتها متأخرة
لكن
 
 
أحبك يا أبي
 
 
اللهم إرحم موتانا و موتى المسلمين و أغفر لهم إنك على كل شئ قدير
 
July 13

اليوم الأخير

 
اليوم الأخير
 
نظرت الطفلة الصغيرة ذات الأعوام الثمانية أو فلنقل الزهور الثمانية إلى أبيها من بين خصلات شعرها الذهبي الجميل و هو يحملها على كتفه, و مدت يدها صغيرة لتمسح حبات العرق الذي إختلط بالتراب عن جبينه, و عيناها الزرقاوتان المليئتان بالبراءة تحاول أن تتماسك و هي تسأل أباها:
أبي , هل نحن في أمان هنا ؟
قال لها بصوت حاول قدر إستطاعته أن يجعله هادئا :
نعم يا طفلتي نحن في أمان هنا , لن يستطيع أحد أن يمسنا بسوء
فأسرعت لتقول :
إذا أستطيع أن ألعب مع صديقتي غدا فهو عيد ميلادي ؟
إغرورقت عينا الأب بالدموع و هو يقول :
ليس بعد الآن , لقد ذهبت صديقتك في رحلة جميلة لتقابل الله حيث ستجد كل الألعاب و الحلوى
فردت قائلة و أنا أيضا أريد أن أذهب عند الله لألعب و أستمتع بالحلوى
فُزِع الأب من رد إبنته و قال حماك الله يا بُنَيتي, حماك الله
و إجتهد في السير مع أسرته و أهل قريته ليصلوا بسرعة أكبر للمنطقة الآمنة, بعيدا عن قوات الصرب و قائدهم المجنون المتعطش للدماء راتكو ميلادتش
وصل الأب و معه أهالي قريته إلى سيربرينيتشا, القرية التي أعلنتها الأمم المتحدة عام 1993 منطقة آمنة في الحرب الشرسة التي شنها مجانين الصرب على أهل لبوسنة عقب إعلان إستقلالهم عن يوغوسلافيا السابقة
 
قام الأب بمعاونة رجال قريته ببناء بعض الخيام التي سيلجأون إليها من الحر القائظ و ما إن أشرفوا على الإنتهاء حتى سمعوا دوي طلقات رصاص ينطلق من مكان قريب
هرعوا جميعا إلى ذويهم حتى يحموهم و يطمئنوهم, لكن سرعان ما سمعوا بعض من حديث الجنود الهولنديين من قوات حفظ السلام و هم يقولون أن الصرب على وشك إحتلال هذه القرية الصغيرة مخالفين الأوامر الدولية ببقاء هذه القرية منطقة آمنة.
 
بحلول المساء كان الصرب قد أشرفوا على إقتحام القرية, فقام اللاجئون بجمع متعلقاتهم و لاذوا بالفرار صوب القاعدة الهولندية ليحتموا فيها, لكن القاعدة لم تستوعب سوا 900 شخص من أصل  25000 لاجئ
 
بحلول الصباح كان الجنود الصرب بأوامر من القائد السياسي رادوفان كاراديتش و الجنرال راتكو ميلادتيش قد أسروا جميع اللاجئين في القرية , كل هذا و الطفلة الصغيرة تحاول أن تحتمي بوالدها, و هي ترى الأهوال قد بدأت
رأت العديد من الفتيات الكبيرات يغصتبن في العلن و أمام ذويهم , رأت الأطفال الذين في سنها و هم يقتلون أمام أهلهم, ثم جاء ثلاثة جنود  و أخذوا والدها عنوة و هي تصرخ و تستغيث , تريد أن يعود أباها, فهي تحبه و لا تريد أن تبتعد عنه, كانت خائفة جدا و هي تنظر إلى الجنود و هم يقتادون والدها إلى ماوراء أحد المنازل, ثم سمعت دوي طلقة رصاص , ثم ظهر الجنود مرة أخرى لكن هذه المرة وحدهم, دون أن يكون والدها الحبيب معهم, رأتهم و قد غطى اللون الأحمر أيديهم, ثم رأتهم يجمعون الرجال جميعا و يوقفونهم في صفوف أمام أحد الحوائط مقيدين , و فجأة بدأت الطلقات تدوي و الرجال يتساقطون الواحد تلو الآخر, لم تستطع الطفلة البريئة أن ترى أكثر من ذلك و غابت عن الوعي من هول ما رأت
 و عندما أفاقت وجدت نفسها في غرفة بيضاء و بجوارها فتاة ترتدي زي الممرضات الجميل تبتسم لها بكل حنان, فقالت لها ما هو التاريخ اليوم؟
فردت الممرضة قائلة :
13/7/1995
فقالت الطفلة أين أبي ؟ لقد وعدني أن نحتفل اليوم بعيد ميلادي سويا و أن يحضر لي لعبة جميلة
إغرورقت عينا الممرضة بالدموع و هي ترى أمام عينيها جثث 8000 رجل و إمرأة و طفل مسلم في أكبر مجزرة بشرية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية و تتذكر أحداث اليوم الأخير في مذبحة سيربرينيتشا و قالت:
سنحتفل به سويا يا صغيرتي , سنحتفل به سويا
و ذهبت لترى باقي المصابين الأحياء
 
June 17

رجال لن يجود الزمان بمثلهم ثانية - 3

 
رجال لن يجود الزمان بمثلهم ثانية - 3
 
خالد بن الوليد - الجزء الثالث و الأخير
 
  وبعد، فها نحن أولاء نواجه العظمة الانسانية في مشهد من أبهى مشاهدها.. اذ كان خالد يقود جيوش المسلمين في هذه المعركة الضارية، ويستلّ النصر من بين أنياب الروم استلالا فذا، بقدر ما هو مضن ورهيب، واذا به يفاجأ بالبريد القادم من المدينة من الخليقة الجديد، أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.. وفيه تحيّة الفاروق للجيش المسلم، نعيه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه، وتولية أبي عبيدة بن الجرّاح مكانه..
قرأ خالد الكتاب، وهمهم  بابتهالات الترحّم على ابي بكر والتوفيق لعمر..
ثم طلب من حامل الكتاب ألا يبوح لأحد بما فيه وألزمه مكانه أمره ألا يغادره، وألا يتصل بأحد.
استأنف قيادته للمعركة مخفيا موت أبي بكر، وأوامر عمر حتى يتحقق النصر الذي بات وشيكا وقريبا..
ودقّت ساعة الظفر، واندحر الروم..
 
  وتقدّم البطل من أبي عبيدة مؤديا اليه تحيّة الجندي لقائده... وظنها أبو عبيدة في أول الأمر دعابة من دعابات القائد الذي حققق نصرا لم يكن في السحبان.. بيد أنه ما فتئ أن رآها حقيقة وجدّا، فقبّل خالد بين عينيه، وراح يطري عظمة نفسه وسجاياه..
 
  وثمّت رواية تاريخية أخرى، تقول: ان الكتاب أرسل من أمير المؤمنين عمر الى أبي عبيدة، وكتم أبو عبيدة النبأ عن خالد حتى انتهت المعركة..
وسواء كان الأمر هذا أو ذاك، فان مسلك خالد في كلتا الحالتين هو الذي يعنينا.. ولقد كان مسلكا بالغ الروعة والعظمة والجلال..
ولا أعرف في حياة خالد كلها موقفا ينبئ باخلاصه العميق وصدقه الوثيق، مثل هذا الموقف...
 
  فسواء عليه أن يكون أميرا، أو جنديا..
ان الامارة كالجندية، كلاهما سبب يؤدي به واجبه نحو الله الذي آمن به، ونحو الرسول الذي بايعه، ونحو الدين الذي اعتنقه وسار تحت رايته..
وجهده المبذول وهو أمير مطاع.. كجهده المبذول وهو جندي مطيع..!
ولقد هيأ له هذا الانتصار العظيم على النفس، كما هيأه لغيره، طراز الخلفاء الذين كانوا على راس الأمة المسلمة والدولة المسلمة يوم ذاك..
أبو بكر وعمر..
اسمان لا يكاد يتحرّك بهما لسان، حتى يخطر على البال كل معجز من فضائل الانسان، وعظمة الانسان..
وعلى الرغم من الودّ الذي كان مفقودا أحيانا بين عمر وخالد، فان نزاهة عمر وعدله،وورعه وعظمته الخارقة، لم تكن قط موضع تساؤول لدى خالد..
ومن ثم لم تكن قراراته موضع سك، لأن الضمير الذي يمليها، قد بلغ  من الورع، ومن الاستقامة، ومن الاخلاص والصدق أقصى ما يبلغه ضمير منزه ورشيد..
 
**
 
  لم يكن أمير المؤمنين عمر يأخذ على خالد من سوء، ولكنه كان يأخذ على سيفه التسرّع، والحدّة..
ولقد عبّر عن هذا حين اقترح على أبي بكر عزله اثر مقتل مالك بن نويرة، فقال:
" ان في سيف خالد رهقا"
أي خفة وحدّة وتسرّع..
فأجابه الصدّيق قائلا:
" ما كنت لأشيم سيف سلّه الله على الكافرين".
لم يقل عمر ان في خالد رهقا.. بل جعل الرهق لسيفه لا لشخصه، وهي كلمات لا تنمّ عن أدب أمير المؤمنين فحسب، بل وعن تقديره لخالد أيضا..
وخالد رجل حرب من المهد الى اللحد..
فبيئته، ونشأته، وتربيته وحياه كلها، قبل الاسلام وبعده كانت كلها وعاء لفارس، مخاطر، داهية..
 
  ثم ان الحاح ماضيه قبل السلام، والحروب التي خاضها ضد الرسول وأصحابه، والضربات التي أسقط بها سيفه أيام الشرك رؤوسا مؤمنة، وجباها عابدة، كل هذا كان له على ضميره ثقل مبهظ، جعل سيفه توّاقا الى أن يطوّح من دعامات الشرك أضعاف ما طوّح من حملة الاسلام..
وانكم لتذكرون العبارة التي أوردناها أوّل هذا الحديث والتي جاءت في سياق حديثه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اذ قال له:
" يا رسول الله..
استغفر لي كل ما أوضعت فيه عن صدّ عن سبيل الله".
وعلى الرغم من انباء الرسول صلى الله عليه وسلم اياه، بأن الاسلام يجبّ ما كان قبله، فانه يظل يتوسل على الظفر بعهد من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يستغفر الله له فيما صنعت من قبل يداه..
والسيف حين يكون في يد فارس خارق كخالد بن الوليد، ثم يحرّك اليد القابضة عليه ضمير منوهج بحرارة التطهر والتعويض، ومفعم بولاء مطلق لدين تحيط به المؤمرات والعداوات، فان من الصعب على هذا السيف أن يتخلى عن مبادئه الصارمة، وحدّته الخاطفة..
 
  وهكذا رأينا سيف خالد يسبب لصاحبه المتاعب.
فحين أرسله النبي عليه الصلاة والسلام بعد الفتح الى بعض قبائل العرب القريبة من مكة، وقال له:
" اني أبعثك داعيا لا مقاتلا".
غلبه سيفه على أمره ودفعه الى دور المقاتل.. متخليا عن دور الداعي الذي أوصاه به الرسول مما جعله عليه السلام ينتفض  جزعا وألما حين بلفه صنيع خالد.. وقام مستقبلا القبلة، رافعا يديه، ومعتذرا الى الله بقوله:
" اللهم اني أبرأ اليك مما صنع خالد".
ثم أرسل عليّا فودى لهم دماءهم وأموالهم.
وقيل ان خالدا اعتذر عن نفسه بأن عبدالله بن حذافة السهمي قال له:
ان رسول الله قد أمرك بقتالهم لامتناعهم عن الاسلام..
كان خالد يحمل طاقة  غير عادية.. وكان يستبد به توق عارم الى هدم عالمه القديم كله..
ولو أننا نبصره  وهو يهدم صنم العزّى الذي أرسله النبي لهدمه.
لو أننا نبصره وهو يدمدم بمعوله على هذه البناية الحجرية، لأبصرنا رجلا يبدو كأنه يقاتل جيشا بأسره، يطوّح رؤوس أفرداه ويتبر بالمنايا صفوفه.
فهو يضرب بيمينه، وبشماله، وبقدمه، ويصيح في الشظايا المتناثرة، والتراب المتساقط:
" يا عزّى كفرانك، لا سبحانك
اني رأيت الله قد أهانك"..!!
ثم يحرقها ويشعل النيران في ترابها..!
كانت كل مظاهر الشرك وبقاياه في نظر خالد كالعزّى لا مكان لها في العالم الجديد الذي وقف خالد تحت أعلامه..
ولا يعرف خالد أداة لتصفيتها الا سيفه..
والا.." كفرانك لا سبحانك..
اني رأيت الله قد أهانك"..!!
 
  على أننا اذ نتمنى مع أمير المؤمنين عمر، لوخلا سيف خالد من هذا الرهق، فاننا سنظل نردد مع أمير المؤمنين قوله:
" عجزت النساء أن يلدن مثل خالد"..!!
لقد بكاه عمر يوم مات بكاء كثيرا، وعلم الانس فيما بعد أنه لم يكن يبكي فقده وحسب، بل ويبكي فرصة أضاعها الموت عن عمر اذ كان يعتزم رد الامارة الى خالد بعد أن زال افتتان الناس به. ومحصت أسباب عزله، لولا أن تداركه الموت وسارع خالد الى لقاء ربه.
نعم سارع البطل العظيم الى مثواه في الجنة..
أما آن له أن يستريح..؟؟ هو الذي لم تشهد الأرض عدوّا للراحة مثله..؟؟
أما آن لجسده المجهد أن ينام قليلا..؟؟ هو الذي كان يصفه أصحابه وأعداؤه بأنه:
" الرجل الذي لا ينام ولا يترك أحدا ينام"..؟؟
أما هو، فلو خيّر لاختار أن يمدّ الله له في عمره مزيدا من الوقت يواصل فيه هدم البقايا المتعفنة القديمة، ويتابع عمله وجهاده في سبيل الله والاسلام..
ان روح هذا الرجل وريحانه ليوجدان دائما وابدا، حيث تصهل الخيل، وتلتمع الأسنّة، وتخفق رايات التوحيد فوق الجيوش المسلمة..
وأنه ليقول:
" ما ليلة يهدى اليّ فيها عروس، أو أبشّر فيها بوليد، بأحبّ اليّ من ليلة شديدة الجليد، في سريّة من المهاجرين، أصبح بهم المشركين"..
من أجل ذلك، كانت مأساة حياته أن يموت في فراشه، وهو الذي قضى حياته كلها فوق ظهر جواده، وتحت بريق سيفه...
 
  هو الذي غزا مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وقهر أصحاب الردّة، وسوّى بالتراب عرش فارس والروم، وقطع الأرض وثبا، في العراق خطوة خطوة، حتى فتحها للاسلام، وفي بلاد الشام خطوة خطوة حتى فتحها كلها للاسلام...
أميرا يحملشظف الجندي وتواضعه.. وجنديا يحمل مسؤولية الأمير وقدوته..
كانت مأساة حياة البطل أن يموت البطل على فراشه..!!
هنالك قال ودموعه تنثال من عينيه:
" لقد شهدت كذا، وكذا زحفا، وما في جسدي موضع الا وفيه ضربة سيف أو طعنة رمح، أ، رمية سهم..
ثم هأنذا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء"..!
كلمات لا يجيد النطق بها في مثل هذا الموطن، الا مثل هذا الرجل، وحين كان يستقبل لحظات الرحيل، شرع يملي وصيّته..
أتدرون الى من أوصى..؟
الى عمر بن الخطاب ذاته..!!
أتدرون ما تركته..؟
فرسه وسلاحه..!!
ثم ماذا؟؟
لا شيء قط ، مما يقتني الناس ويمتلكون..!!
ذلك أنه لم يكن يستحزذ عليه وهو حيّ، سوى اقتناء النصر وامتلاك الظفر على أعداء الحق.
وما كان في متاع الدنيا جميعه ما يستحوذ على حرصه..
شيء واحد، كان يحرص عليه في شغف واستماتة.. تلك هي قلنسوته"..
سقطت منه يوم اليرموك. فأضنى نفسه والناس في البحث عنها.. فلما عوتب في ذلك قال:
" ان فيها بعضا من شعر ناصية رسول الله واني أتافاءل بها، وأستنصر".
 
**
 
  وأخيرا، خرج جثمان البطل من داره محمولا على أعناق أصحابه ورمقته أم البطل الراحل بعينين اختلط فيهما بريق العزم بغاشية الحزن فقالت تودّعه:
أنت خير من ألف ألف من القو           م اذا ما كبت وجوه الرجال
أشجاع..؟ فأنت أشجع من لي             ث غضنفر يذود عن أشبال
أجواد..؟ فأنت أجود من سي              ل غامر يسيل بين الجبال
 
  وسمعها عمر فازداد قلبه خفقا.. ودمعه دفقا.. وقال:
" صدقت..
والله ان كان لكذلك".
وثوى البطل في مرقده..
ووقف أصحابه في خشوع، والدنيا من حولهم هاجعة، خاشعة، صامتة..
لم يقطع الصمت المهيب سوى صهيل فرس جاءت تركض بعد أن خلعت رسنها، وقطعت شوارع المدينة وثبا وراء جثمان صاحبها، يقودها عبيره  وأريجه..
 
  واذ بلغت الجمع الصامت والقبر الرطب لوت برأسها كالراية، وصهيلها يصدح.. تماما مثلما كانت تصنع والبطل فوق ظهرها، يهدّ عروش فارس والروم، ويشفي وساوس الوثنية والبغي، ويزيح من طريق الاسلام كل قوى التقهقر والشرك...
وراحت وعيناها على القبر لا تزيغان تعلو برأسها وتهبط، ملوّحة لسيدها وبطلها مؤدية له تحية الوداع..!!
ثم مقفت ساكنة ورأسها مرتفع.. وجبهتها عالية.. ولكن من آقيها تسيل دموع غزار وكبار..!!
لقد وقفها خالد مع سلاحه في سبيل الله..
ولكن هل سيقدر فارس على أن يمتطي صهوتها بعد خالد..؟؟
وهل ستذلل ظهرها لأحد سواه..؟؟
ايه يا بطل كل نصر..
ويا فجر كل ليلة..
لقد كنت تعلو بروح جيشك على أهوال الزحف بقولك لجندك:
" عند الصباح يحمد القوم السرى"..
 
  حتى ذهبت عنك مثلا..
وهأنتذا، قد أتممت مسراك..
فلصباحك الحمد أبا سليمان..!!
ولذكراك المجد، والعطر، والخلد، يا خالد..!!
ودعنا.. نردد مع أمير المؤمنين عمر كلماته العذاب الرطاب التي ودّعك بها ورثاك:
" رحم الله أبا سليمان
ما عند الله خير مما كان فيه
ولقد عاش حميدا
ومات سعيدا
June 14

رجال لن يجود الزمان بمثلهم ثانية - 2

 
رجال لن يجود الزمان بمثلهم ثانية - 2
 
خالد بن الوليد - الجزء الثاني
 
وحين تطالع في كتب السيرة والتاريخ، سير تلك المعركة الهائلة، تأخذك رهبة مضنية، اذ تجد نفسك أمام معركة  تشبه في ضراوتها وجبروتها معارك حروبنا الحديثة، وان إختلفت في نوع السلاح وظروف القتال..
ونزل خالد بجيشه على كثيب مشرف على اليمامة، وأقبل مسيلمة في خيلائه وبغيه، صفوف جيشه من الكثرة كأنها لا تؤذن بانتهاء..!!
 
  وسّلم خالد الألوية والرايات لقادة جيشه، والتحم الجيشان ودار القتال الرهيب، وسقط شهداء المسلمين تباعا كزهور حديقة طوّحت بها عاصفة عنيدة..!!
وأبصر خالد رجحان كفة الأعداء، فاعتلى بجواده ربوة قريبة وألقى على المعركة نظرة سريعة، ذكية وعميقة..
ومن فوره أدرك نقاط الضعف في جيشه وأحصاها..
رأى الشعور بالمسؤولية قد وهن تحت وقع المفاجأة التي دهمهم بها جيش مسيلمة، فقرر في نفس اللحظة أن يشدّ في أفئدة المسلمين جميعا الى أقصاه.. فمضى ينادي اليه فيالق جيشه وأجنحته، وأعاد تنسيق مواقعه على أرض المعركة، ثم صاح بصوته المنتصر:
" امتازوا، لنرى اليوم بلاء كل حيّ".
وامتازوا جميعا..
مضى المهاجرون تحت راياتهم، والأنصار تحت رايتهم " وكل بني أب على رايتهم".
وهكذا صار واضحا تماما، من أين تجيء الهزيمة حين تجيء واشتعلت الأنفس حماسة، اتّقدت مضاء، وامتلأت عزما وروعة..
وخالد بين الحين والحين، يرسل تكبيرة أو تهليلة أو صيحة يلقى بها امرا، فتتحوّل سيوف جيشه  الى مقادير لا رادّ لأمرها، ولا معوّق لغاياتها..
وفي دقائق معدودة تحوّل اتجاه المعركة وراح جنود  مسيلمة يتساقطون بالعشرات، فالمئات فالألوف، كذباب خنقت أنفاس الحياة فيه نفثات مطهر صاعق مبيد..!!
 
  لقد نقل خالد حماسته كالكهرباء الى جنوده، وحلّت روحه في جيشه جميعا.. وتلك كانت احدى خصال عبقريّته الباهرة..
وهكذا سارت أخطر معارك الردة وأعنف حروبها، وقتل مسيلمة..
وملأت جثث رجاله وجيشه أرض القتال، وطويت تحت التراب الى الأبد راية الدّعيّ الكذاب..
 
**
 
  وفي المدينة صلى الخليفة لربه الكبير المتعال صلاة الشكر، اذ منحهم هذا النصر، وهذا البطل..
وكان أبو بكر قد أدرك بفطنته وبصيرته ما لقوى الشر الجاثمة وراء حدود بلاده من دور خطير في تهديد مصير الاسلام واهله.. الفرس في العراق.. والروم في بلاد الشام..
امبرطوريتان خرعتان، تتشبثان بخيوط واهنة من حظوظهما الغاربة وتسومان الناس في العراق وفي الشام سوء العذاب، بل وتسخرهم، وأكثرهم عرب،  لقتال المسلمين العرب الذين يحملون راية الدين الجديدة، يضربون بمعاوله قلاع العالم القديم كله، ويجتثون عفنه وفساده..!
هنالك أرسل الخليفة العظيم المبارك توجيهاته الى خالد أن يمضي بجيشه صوب العراق..
ويمضي البطل الى العراق، وليت هذه الصفحات كانت تتسع لتتبع مواكب نصره، اذن لرأينا من أمرها عجبا.
لقد استهلّ عمله في العراق بكتب أرسلها الى جميع ولاة كسرى ونوابه على ألوية العراق ومدائنه..
" بسم الله الرحمن الرحيم
من خالد بن الوليد.. الى مرازبة فارس..
السلام على من اتبع الهدى
أما بعد، فالحمد لله الذي فضّ خدمكم، وسلب ملككم، ووهّن كيدكم
من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، واكل ذبيحتنا فذلكم المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا
اذا جاءكم كتابي فابعثوا اليّ بالرهن واعتقدوا مني الذمّة
والا، فوالذي لا اله غيره لأبعثن اليكم قوما يحبون الموت كما تحبون الحياة"..!!
 
  وجاءته طلائعه التي بثها في كل مكان بأنباء الزّخوف الكثيرة التي يعدها  له قوّاد الفرس في العراق، فلم يضيّع وقته، وراح يقذف بجنوده على الباطل ليدمغه.. وطويت له الأرض طيّا عجيبا.
في الأبلّة، الى السّدير، فالنّجف، الى الحيرة، فالأنبار، فالكاظمية. مواكب نصر تتبعها مواكب... وفي كل مكان تهلّ به رياحه البشريات ترتفع للاسلام راية يأوي الى فيئها الضعفاء والمستعبدون.
أجل، الضعفاء والمستعبدون من أهل البلد الذين كان الفرس يستعمرونهم، ويسومونهم سوء العذاب..
وكم كان رائعا من خالد أن بدأ زحفه بأمر أصدره الى جميع قوّاته:
" لا تتعرّضوا للفلاحين بسوء، دعوهم في شغلهم آمنين، الا أن يخرج بعضهم لقتالكم، فآنئذ قاتلوا المقاتلين".
وسار بجيشه الظافر كالسكين في الزبد الطريّ حتى وقف على تخوم الشام..
وهناك دوّت  أصوات المؤذنين، وتكبيرات الفاتحين.
ترى هل سمع الروم في الشام..؟
وهل تبيّنوا في هذه التكبيرات نعي أيامهم، وعالمهم..؟
أجل لقد سمعوا.. وفزّعوا.. وقرّروا أن يخوضوا في حنون معركة اليأس والضياع..!
 
**
 
  كان النصر الذي أحرزه الاسلام على الفرس في العراق بشيرا بنصر مثله على الروم في الشام..
فجنّد الصدّيق أبو بكر جيوشا عديدة، واختار لامارتها نفرا من القادة المهرة، أبو عبيدة بن الجراح، وعمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان، ثم معاوية بن أبي سفيان..
وعندما نمت أخبار هذه الجيوش الى امبراطور الروم نصح وزراءه وقوّاده بمصالحة المسلمين، وعدم الدخول معهم في حرب خاسرة..
بيد أن وزراءه وقوّاده أصرّوا على القتال وقالوا:
" والله لنشغلنّ أبا بكر على أن يورد خيله الى أرضنا"..
وأعدوا للقتال جيشا بلغ قوامه مائتي ألف مقاتل، وأ{بعين ألفا.
وأرسل قادة المسلمين الى الخليفة بالصورة الرهيبة للموقف فقال أبو بكر:
" والله لأشفينّ وساوسهم بخالد"..!!!
وتلقى ترياق الوساوس.. وساوس التمرّد والعدوان والشرك، تلقى أمر الخليفة بالزحف الى الشام، ليكون أميرا على جيوش الاسلام التي سبقته اليها..
وما اسرع ما امتثل خالد وأطلع، فترك على العراق المثنّى بن الحارثة وسار مع قواته التي اختارها حتى وصل مواقع المسلمين بأرض الشام، وأنجز بعبقريته الباهرة تنظيم الجيش المسلم وتنسيق مواقعه في وقت وجيز، وبين يدي المعركة واللقاء، وقف في المقاتلين خطيبا فقال بعد أن حمد ربه وأثنى عليه:
" ان هذا يوم من أيام الله، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي..
أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم، وتعالوا نتعاور الامارة، فيكون أحدنا اليوم أميرا، والآخر غدا، والآخر بعد غد، حتى يتأمّر كلكم"...
هذا يوم من أيام الله..
ما أروعها من بداية..!!
لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي..
وهذه أكثر روعة وأوفى ورعا!!
 
  ولم تنقص القائد العظيم الفطنة المفعمة بالايثار، فعلى الرغممن أن الخليفة وضعه على رأس الجيش بكل أمرائه، فانه لم يشا أن يكون عونا للشيطان على أنفس أصحابه، فتنازل لهم عن حقه الدائم في الامارة وجعلها دولة بينهم..
اليوم أمير، ودغا أمي رثان.. وبعد غد أمير آخر..وهكذا..
كان جيش الروم بأعداده وبعتاده، شيئا بالغ الرهبة..
لقد أدرك قوّاد الروم أن الزمن في صالح المسلمين، وأن تطاول القتال وتكاثر المعارك يهيئان لهم النصر دائما، من أجل ذلك قرروا أن يحشدوا كل قواهم في معركة واحدة يجهزون خلالها على العرب حيث لا يبقى لهم بعدها وجود، وما من شك أن المسلمين أحسّوا يوم ذاك من الرهبة والخطر ما ملأ نفوسهم المقدامة قلقا وخوفا..
ولكن ايمانهم كان يخفّ لخدمتهم في مثل تلك الظلمات الحالكات، فاذا فجر الأمل والنصر يغمرهم بسناه..!!
 
  ومهما يكن بأس الروم وجيوشهم، فقد قال أبو بكر، وهو بالرجال جدّ خبير:
" خالد لها".!!
وقال:" والله، لأشفينّ وساوسهم بخالد".
فليأت الروم بكل هولهم، فمع المسلمين الترياق..!!
عبأ ابن الوليد جيشه، وقسمه الى فيالق، ووضع للهجوم والدفاع خطة جديدة تتناسب مع طريقة الروم بعد أن خبر وسائل اخوانهم الفرس في العراق.. ورسم للمعركة كل مقاديرها..
ومن عجب أن المعركة دارت كما رسم خالد وتوقع، خطوة خطوة، وحركة حركة، حتى ليبدو وكأنه لو تنبأ بعدد ضربات السيوف في المعركة، لما أخطأ التقدير والحساب..!!
كل مناورة توقعها من الروم صنعوها..
كا انسحاب تنبأ به فعلوه..
وقبل أن يخوض القتال كان يشغل باله قليلا، احتمال قيام بعض جنود جيشه بالفرار، خاصة أولئك الذين هم حديثو العهد بالاسلام، بعد أن رأى ما ألقاه منظر جيش الروم من رهبة وجزع..
وكان خالد يتمثل عبقرية النصر في شيء واحد، هو الثبات..
وكان يرى أن حركة هروب يقوم بها اثنان أو ثلاثة، يمكن أن تشيع في الجيش من الهلع والتمزق ما لا يقدر عليه جيش العدو بأسره...
من أجل هذا، كان صارما، تجاه الذي يلقي سلاحه ويولي هاربا..
وفي تلك الموقعة بالذات موقعة اليرموك، وبعد أن أخذ جيشه مواقعه، دعا نساء المسلمين، ولأول مرّة سلّمهن السيوف، وأمرهن، بالوقوف وراء صفوف المسلمين من كل جانب وقال لهن:
" من يولّي هاربا فاقتلنه"..
وكانت لفتة بارعة أدت مهمتها على أحسن وجه..!!
وقبيل بدء القتال طلب قائد الروم أن يبرز اليه خالد ليقول له بضع كلمات ..
وبرز اليه خالد، حيث تواجها فوق جواديهما في الفراغ الفاصل بين الجيشين..
وقال ماهان قائد الروم يخاطب خالدا"
" قد علمنا أنه لم يخرجكم من بلادكم الا الجوع والجهد..
فان شئتم، أعطيت كل واحد منكم عشرة دنانير، وكسوة، وطعاما، وترجعون الى بلادكم، وفي العام القادم أبعث اليكم بمثلها".!!
وضغط خالد الرجل والبطل على أسنانه، وأدرك ما في كلمات قائد الروم من سوء الأدب..
وقرر أن يردذ عليه بجواب مناسب، فقال له:
" انه لم يخرجنا من بلادنا الجوع كما ذكرت، ولكننا قوم نشرب الدماء، وقد علمت أنه لا دم أشهى وأطيب من دم الروم، فجئنا لذلك"..!!
ولوة البطل زمام جواده عائدا الى صفوف جيشه. ورفع اللواء عاليا مؤذنا بالقتال..
" الله أكبر"
" هبّي رياح الجنة"..
كان جيشه يندفع كالقذيفة المصبوبة.
ودار قتال ليس لضراوته نظير..
وأقبل الروم في فيالق كالجبال..
وبدا لهم من المسلمين ما لم يكونوا يحتسبون..
ورسم المسلمون صورا تبهر الألباب من فدائيتهم وثباتهم..
فهذا أحدهم يقترب من أبي عبيدة بن الجرّاح رضي الله عنه والقتال دائر ويقول:
" اني قد عزمت على الشهادة، فهل لك من حاجة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبلغها له حين ألقاه"؟؟
فيجيب أبو عبيدة:
" نعم قل له: يا رسول الله انا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا".
ويندفع الرجل كالسهم المقذوف.. يندفع وسط الهول مشتاقا الى مصرعه ومضجعه.. يضرب بسيفه، ويضرب بآلاف السيوف حتى يرتفع شهيدا..!!
وهذا عكرمة بن أبي جهل..
أجل ابن أبي جهل..
ينادي في المسلمين حين ثقلت وطأة الروم عليهم قائلا:
" لطالما قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يهدني الله الاسلام، افأفرّ من أعداء الله اليوم"؟؟
ثم يصيح:" من يبايع على الموت"..
فيبايعه على الموت كوكبة من المسلمين، ثم ينطلقون معا الى قلب المعركة لا باحثين عن النصر، بل عن الشهادة.. ويتقبّل الله بيعتهم وبيعهم،
فيستشهدون..!!
وهؤلاء آخرون أصيبوا بجراح أليمة، وجيء لهم بماء يبللون به أفواههم، فلما قدم الماء الى أولهم، أشار الى الساقي أن أعط أخي الذي بجواري فجرحه أخطر، وظمؤه أشد.. فلما قدّم اليه الماء، اشار بدوره لجاره. فلا انتقل اليه أشار بدوره لجاره..
وهكذا، حتى.. جادت أرواح أكثرهم ظامئة.. ولكن أنضر ما تكون تفانيا وايثارا..!!
أجل..
لقد كانت معركة اليرموك مجالا لفدائية يعز نظيرها.
ومن بين لوحات الفداء الباهرة التي رسمتها عزمات مقدرة، تلك اللوحة الفذة.. لوحة تحمل صورة خالد بن الوليد على رأس مائة لا غير من جنده، ينقضّون على ميسرة الروم وعددها أربعون ألف جندي، وخالد يصيح في المائة الذين معه:
" والذي نفسي بيده ما بقي مع الروم من الصبر والجلد الا ما رأيتم.
واني لأرجو أن يمنحكم الله أكتافهم".
مائة يخوضون في أربعين ألف.. ثم ينتصرون..!!
ولكن أي عجب؟؟
أليس مالء قلوبهم ايمان بالله العلي الكبير..؟؟
وايمان برسوله الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم؟؟
وايمان بقضية هي أكثر قضايا الحياة برا، وهدى ونبلا؟
 
  وأليس خليفتهم  الصديق رضي الله عنه، هذا الذي ترتفع راياته فوق الدنيا، بينما هو في المدينة’ العاصمة الجديدة للعالم الجديد، يحلب بيده شياه الأيامى، ويعجن بيده خبز اليتامى..؟؟
وأليس قائدهم خالد بن الوليد ترياق وساوس التجبر، والصلف، والبغي، والعدوان، وسيف الله المسلول على قوى التخلّف والتعفّن والشرك؟؟
أليس ذلك، كذلك..؟
اذن، هبي رياح النصر...
هبّي قويّة عزيزة، ظافرة، قاهرة...
 
**
 
  لقد بهرت عبقرية خالد قوّاد الروم وأمراء جيشهم، مما حمل أحدهم، واسمه جرجه على أن يدعو خالدا للبروز اليه في احدى فترات الراحة بين القتال.
وحين يلتقيان، يوجه القائد الرومي حديثه الى خالد قائلا:
" يا خالد، أصدقني ولا تكذبني فان الحرّ لا يكذب..
هل أنزل على نبيّكم سيفا من السماء فأعطاك ايّاه، فلا تسلّه على أحد الا هزمته"؟؟
قال خالد: لا..
قال الرجل:
فبم سميّت سيف الله"؟
قال خالد: ان الله بعث فينا نبيه، فمنا من صدّقه ومنا من كذّب.ز وكنت فيمن كذّب حتى أخذ الله قلوبنا الى الاسلام، وهدانا برسوله فبايعناه..
فدعا لي الرسول، وقال لي: أنت سيف من سيوف الله، فهكذا سميّت.. سيف الله".
قال القائد الرومي: والام تدعون..؟
قال خالد:
الى توحيد الله، والى الاسلام.
قال:
هل لمن يدخل في الاسلام اليوم مثل ما لكممن المثوبة والأجر؟
قال خالد: نعم وأفضل..
قال الرجل: كيف وقد سبقتموه..؟
قال خالد:
لقد عشنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأينا آياته ومعجزاته وحق لمن رأى ما رأينا، وسمع ما سمعنا أن يسلم في يسر..
أما أنتم يا من لم تروه ولم تسمعوه، ثم آمنتم بالغيب، فان أجركم أجزل وأكبر اا صدقتم الله سرائركم ونواياكم.
وصاح القائد الرومي، وقد دفع جواده  الى ناحية خالد، ووقف بجواره:
علمني الاسلام يا خالد"".!!!
وأسلم وصلى ركعتين لله عز وجل.. لم يصلّ سواهما، فقد استأنف الجيشان القتال.. وقاتل جرجه الروماني في صفوف المسلمين مستيتا في طلب لبشهادة حتى نالها وظفر بها..!!

 

... يتبع


June 13

رجال لن يجود الزمان بمثلهم ثانية - 1

 
رجال لن يجود الزمان بمثلهم ثانية - 1
 
سوف أبدأ بنشر أجزاء من كتاب رجال حول الرسول, لعرض القليل عن سر بعض الرجال, ممن لن يجود الزمان بمثلهم ثانية, رجال أعادوا تعريف معنى الرجولة ليكتبوا بحياتهم سطور من التاريخ بل أعادوا تشكيل التاريخ من جديد , رجال وضعوا قواعد الإنسانية و الرجولة, كانوا مثالا حيا للشجاعة و التضحية و الفداء و الولاء و الإخلاص و القوة و الحكمة و الشهامة و النخوة و الغيرة, لن أتكلم هنا عن سيدهم و سيدنا و سيد البشر أجمعين حبيبي المصطفى رسول الله عليه أفضل الصلاة و أتم التسليم فهو يحتاج لصفحات و صفحات لمجرد الحديث عنه و هو ما سيحدث إن شاء الله, لكن هذه المرة سأضع لكم بضع صفحات من كتاب رجال حول الرسول لأتحدث في كل حلقة عن شخصية من الشخصيات العظيمة التي ضحت حتى يصل إلينا هذا الدين العظيم
 

خالد بن الوليد - الجزء الأول

لا ينام ولا يترك أحدا ينام

 

  ان أمره لعجيب..!!

هذا الفاتك بالمسلمين يوم أحد والفاتك بأعداء الاسلام بقية الأيام..!!

ألا فلنأت على قصته من البداية..

ولكن أية بداية..؟؟

انه هو نفسه، لا يكاد يعرف لحياته بدءا الا ذلك اليوم الذي صافح فيه الرسول مبايعا..

ولو استطاع لنحّى عمره وحياته، كل ماسبق ذلك اليوم من سنين، وأيام..

فلنبدأ معه اذنمن حيث يحب.. من تلك اللحظة  الباهرة التي خشع فيها قلبه لله، وتلقت روحه فيها لمسة من يمين الرحمن، وكلتا يديه يمي، فنفجّرت شوقا الى دينه، والى رسوله، والى استشهاد عظيم في سبيل الحق، ينضو عن كاهله أوزار مناصرته الباطل في أيامه الخاليات..

 

**

 

  لقد خلا يوما الى نفسه، وأدار خواطره الرشيدة على الدين الجديد الذي تزداد راياته كل يوما تألقا وارتفاعا، وتمنّى على الله علام الغيوب أن يمدّ اليه من الهدى بسبب.. والتمعت في فؤاده الذكي بشائر اليقين، فقال:

" والله لقد استقام المنسم....

وان الرجل لرسول..

فحتى متى..؟؟

أذهب والله، فأسلم"..

ولنصغ اليه رضي الله عنه وهو يحدثنا عن مسيره المبارك الى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعن رحلته من مكة الى المدينة ليأخذ مكانه في قافلة المؤمنين:

".. وددت لو أجد من أصاحب، فلقيت عثمان بن طلحة، فذكرت له الذي أريد فأسرع الاجابة، وخرجنا جميعا فأدلجنا سحرا.. فلما كنا بالسهل اذا عمرو بن العاص، فقال مرحبا يا قوم،

قلنا: وبك..

قال: أين مسيركم؟ فأخبرناه، وأخبرنا أيضا أنه يريد النبي ليسلم.

فاصطحبنا حتى قدمنا المدينة أول يوم من صفر سنة ثمان..فلما اطّلعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمت عليه بالنبوّة فردّ على السلام بوجه طلق، فأسلمت وشهدت شهادة الحق..

فقال الرسول: قد كنت أرى لك عقلا رجوت ألا يسلمك الا الى خير..

وبايعت رسول الله وقلت: استغفر لي كل ما أوضعت فيه من صدّ عن سبيل الله..

فقال: ان الاسلام يجبّ ما كان قبله..